لماذا يصور الناس الآخرين في محنة بدلا من مساعدتهم؟ هل أصبحنا بلا قلب؟

في عام 2019، ظهر فيديو لرجل كبير في السن على رصيف مترو أنفاق في مدينة نيويورك، وهو يكافح ليستمر واقفا في وجه تيار مياه غير نظيفة أجبرته على السقوط على الأرض. أخيرا، ركع الرجل على ركبتيه ونظر مباشرة إلى حامل الكاميرا الذي يقوم بتصويره، وسأله: لماذا لم تساعدني؟

بعد أن انتشر المقطع بسرعة، تساءل الأشخاص عن الشيء نفسه.. لماذا لم يسقط أحدهم الهاتف ويساعد هذا الرجل؟

ربما أصبح هذا الاتهام مألوفا أكثر الآن بعد تكرار هذا النوع من الحوادث في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث إننا نقوم جميعا بتسجيل مقطع لنحصل على إعجاب الأصدقاء والمعارف بدلا من القيام ببعض الأشياء الجيدة في العالم.

تأثير المتفرجين

في مارس/آذار 1964، تعرضت امرأة تدعى كاثرين سوزان جينوفيزي "كيتي" من مدينة نيويورك للطعن حتى الموت خارج شقتها في كيو جاردنز، وقد نقل تقرير الجريمة في صحيفة "نيويورك تايمز" إحساس عدم المبالاة من الجيران الذين لم يقدموا المساعدة لجينوفيزي، ويقال إن 38 شخصا رأى الحادثة أو سمع الهجوم ولم يستدع الشرطة. وأثار هذا الحادث أبحاثا أصبحت تعرف باسم "تأثير المتفرجين" أو "متلازمة جينوفيزي".

وتأثير المتفرج أو لامبالاة المتفرج هي ظاهرة نفسية اجتماعية تشير إلى امتناع الشخص عن تقديم أي مساعدة للضحية إذا كان هناك حاضرون آخرون، حيث إن احتمال المساعدة يرتبط عكسيا مع عدد المتفرجين، كلما زاد عدد المتفرجين، نقصت نسبة أن يقدم أحدهم المساعدة.

بين الواقع والأسطورة

تختلف أنجيلا لاشبروك الكاتبة على موقع ميديوم (Medium) مع الاستنتاجات السريعة الخاصة بسلبية المتفرجين، تقول إن ردود الفعل السريعة تجاه مقطع الفيديو الخاص بالرجل في مترو الأنفاق، والكثير من الأشياء المشابهة، قد تحتوي في الواقع على أشياء خاطئة، حيث تظهر الأبحاث أن وجود الكاميرات يجعل الناس أكثر عرضة للتدخل عندما يرون شخصا في خطر.

أما الأسطورة حول قضية جينوفيزي وأن هؤلاء الشهود جميعا لم يساعدوا، فهذا ليس ما حدث بالفعل. لم يكن هناك 38 شاهدا وقفوا مكتوفي الأيدي. في الواقع، ربما كان هناك أكثر من 12 شخصا سمعوا أصواتا مريبة، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز. كما أنهم لم يقفوا جميعا مكتوفي الأيدي ولم يفعلوا شيئا، فقد اتصل شخصان بالشرطة وامرأة مسنة احتجزت الضحية وهي تحتضر.

صحيح أنه كان هناك أشخاص على الأرجح اختاروا، لأي سبب كان، عدم التدخل. ولكن كان هناك أيضا أشخاص فعلوا شيئا للمساعدة.

هل يساعد الرجال أكثر من النساء فعلا؟

تستطرد الكاتبة موضحة أن هذا لا يعني أن تأثير المتفرج غير موجود، إنه فقط أكثر تعقيدا مما تصورته بعض الأفكار الأصلية. وجدت مراجعة أجريت عام 2011 حول "تأثير المتفرج" أن الناس أكثر عرضة للتدخل عندما يكون الموقف طارئا بشكل واضح. فعلى سبيل المثال، عندما يسقط شخص على الأرض ويصرخ بعد تعرضه للسرقة، فمن الواضح بما لا يدع مجالا للشك أن شخصا ما يحتاج فعلا إلى المساعدة.

أظهرت الدراسات أيضا أنه في معظم الحالات، من المرجح أن يساعد الرجال أكثر من النساء، ويرجع ذلك أساسا إلى شعور الرجال بأنهم أكثر قدرة جسدية على إحداث فرق. ومن المرجح أيضا أن يتدخل المعارف أكثر من الغرباء.

ولكن عندما تضع في اعتبارك الكاميرات والهواتف، تصبح الأمور أكثر إثارة للاهتمام.

في حضرة الكاميرا والهاتف

يقول لينوس أندرسون المحاضر في دراسات الإعلام والاتصال بجامعة هالمستاد بالسويد، والذي يعمل مع زملاء له في البحث عن سبب تصوير الأشخاص في محنة بدلا من تقديم المساعدة لهم "يبدو أن التصوير طريقة فورية جدا للتعامل مع حدث ما. فهو يمنحك الإحساس بفعل شيء ما، بدلا من أن تكون سلبيا، تصبح نوعا ما شاهدا نشطا". يمنح التصوير الأشخاص بديلا عندما يشعرون أنهم غير قادرين أو غير راغبين في التدخل وتقديم يد المساعدة.

وعلى الرغم من عدم وجود الكثير من الأبحاث الحالية حول سبب شعور الناس بالحاجة إلى تصوير أزمة على هواتفهم، فإن هناك بعض المؤلفات التي تشير إلى أنه من المرجح أن يساعد الناس عند وجود كاميرات بالفعل.

أجرى ماركو فان بوميل، الأستاذ المساعد في علم النفس التنظيمي بالجامعة المفتوحة في هولندا، بحثا عام 2013 حول كيفية تأثير وجود الكاميرات على المتفرجين. ابتكر هو وزملاؤه الباحثون موقفين، أحدهما سرق فيه شخص أموالا من شخص آخر بحضور المارة، والآخر سرق فيه شخص أموالا من شخص آخر بحضور المارة وكاميرا أمنية. وجدت الدراسة أن الناس كانوا أكثر عرضة للمساعدة عندما تكون هناك كاميرا موجودة.

أجرى بوميل بحثا آخر يبحث في التفاعلات عبر الإنترنت، ووجد أنه عندما يكون لدى المستخدمين كاميرا ويب أو شعروا أنهم مراقبون، كان من المرجح أن يقدموا الدعم المطلوب أكثر مما لو عرفوا أنه لا تتم ملاحظتهم.

أنت تساعد فقط إذا كنت مراقبا

هناك دراسة حديثة تدعم النتائج التي توصل إليها بوميل، حيث راجع الباحثون لقطات كاميرا أمنية لـ219 حالة عنف في المملكة المتحدة وهولندا وجنوب أفريقيا، ووجدوا أنه في 90% من الحالات، حاول شخص واحد على الأقل التدخل. وكانت النتيجة الأكثر إثارة للدهشة في الدراسة هي أنه كلما زاد عدد الأشخاص الذين حضروا الحدث، زادت احتمالية تدخل شخص ما. وهذا يتناقض بشكل مباشر مع النظرية التقليدية "تأثير المتفرج"، حيث تقل احتمالية مساعدة الأشخاص في وجود حشد من الناس.

يقول بوميل إنه يتوقع هو والباحثون معه، أنه بشكل عام، سيكون الناس أكثر عرضة للمساعدة في المواقف التي يشعرون فيها بأنهم مراقبون. ويضيف "أحيانا يكون هناك شيء ما في البيئة المباشرة يساعدهم على الشعور بالمسؤولية مرة أخرى".

ويتابع "نعتقد أنه عندما يشعر الناس بالمساءلة، فإنهم فجأة يفكرون أكثر في سمعتهم وكيف ستبدو عندما يؤدون عملا معينا أو يفشلون في التصرف على الإطلاق.. بالنسبة لي، يبدو من المحتمل أن الكاميرا على الهاتف الذكي يمكن أن تعمل كإشارة للمساءلة".

سيكون الأشخاص أكثر استعدادا للمساعدة في المواقف التي يشعرون فيها أنهم مراقبون. بمعنى آخر، إذا كانت كاميرا الأمن أو كاميرا الويب ستجعل المارة أكثر استعدادا للقفز في موقف ما وتقديم يد المساعدة، فمن المحتمل أن تنطبق النظرية نفسها على كاميرات الهواتف الذكية أيضا.

لماذا لا نقدم المساعدة؟

ربما يجب العودة الآن إلى السؤال حول الرجل الذي كاد أن يموت في محطة مترو الأنفاق، لماذا قام المارة برفع هواتفهم لتسجيل مقطع فيديو بدلا من النزول في الماء لمساعدة الضحية؟

يقول بوميل إنه لم يتم إجراء أي بحث مباشر حول سبب اتخاذ الأشخاص قرارا بتوثيق الحوادث والجرائم بدلا من التدخل، ولكنّ هناك نظريتين جيدتين، إحداهما أن الناس يشعرون أن التصوير مهم لأغراض شهود العيان بشكل أساسي، أي مساعدة الشرطة في تعقب المجرم.

وهناك أيضا عنصر آخر مهم وهو أن الأشخاص الذين يعانون من التوتر والصدمة وما إلى ذلك، قد يحتاجون إلى تخفيف ذلك من خلال مشاركة مشاعرهم وتجاربهم مع أصدقائهم من خلال الفيديو الذي صوروه.

يشير بوميل إلى أنه ما لم تكن بالفعل في الموقف، فمن الصعب الحكم بدقة على كيفية ردك ومشاركتك في الموقف. إذا لم تكن متأكدا لأي سبب من الأسباب من أن الرجل الموجود في الماء يحتاج إلى مساعدتك، فمن غير المرجح كثيرا أن تقدم المساعدة بالفعل، وفقا للدراسات.

كذلك، إذا كنت لا تشعر بأنك قادر جسديا على المساعدة، إذا كنت صغيرا، أو امرأة، أو تشك في قدراتك الجسدية، فلن تشعر بالراحة الكافية للخوض في المياه التي تتحرك بسرعة على رصيف مترو أنفاق لمساعدة شخص ما. قد تشعر بأنك بمأمن أكثر بعيدا عن الحدث، وتقوم بالتوثيق بحيث يكون لدى الناس دليل على أن محطة مترو الأنفاق في حالة خطرة من الإهمال.

يقول بوميل إنه من المنطقي إجراء المزيد من الأبحاث حول كيفية تأثير وجود الهاتف على سلوك المتفرجين، لكننا على الأرجح لسنا "بلا قلب" كما يظن المتشائمون.