×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

المجرم الصغير الذي يقف وراء أغلب الأمراض الوبائية

شكلت الأمراض التي انتشرت من الحيوانات والطيور إلى الإنسان أحد أكثر الانواع رعبا للبشرية.

 وقد عرفت هذه الأمراض منذ القدم، فقد نقلت الفئران مرض الطاعون في القرن الرابع عشر متسببةً في هلاك ملايين البشر في أوربا والصين. 

وخلال العقود الاخيرة، بدأت امراضا جديدة بالظهور مرتبطة بالحيوانات والطيور، من مرض ايبولا الذي يتهم به القرود والخفافيش كناقل رئيسي، مرورا بانفلونزا الطيور، وانفلونزا الخنازير، والحمى القلاعية التي انتشرت في المواشي، ومرض المتلازمة التنفسية الحادة المعروفة اختصارا بـ "سارس" الذي عثر على الفيروس المسبب له في نوع من القطط في الصين، وليس انتهاءا بفيروس كورونا الشرق الاوسط الذي انتشر في منطقة الشرق الاوسط ، ووجهت اصابع الاتهام إلى الجمال والخفافيش.


لقد وجد العلماء حلقة رابطة بين هذه الأمراض وحيوان الخفاش، الذي قد يكون سببا مباشرا او غير مباشر لهذه الأمراض. كما يمكن للخفافيش ان تنقل امراضاً اخرى مثل داء الكلب و أمراض فيروسية أخرى تنتقل إلى الحيوانات الأخرى و لا تنتقل إلى الإنسان حتى وقتنا الحاضر. 

وقد تعرف العلماء على 16 نوعا آخر من الفيروسات التي تحملها الخفافيش، والتي يمكن ان تنتقل إلى الكائنات الاخرى.

وتوجهت الانظار خلال السنوات الأخيرة إلى الخفاش الذي لم يحسب له حساب كبير لكونه لا يختلط بالإنسان كثيراً وغير مستأنس.

 وقد تم التعرف على وجود رابط بين انتشار الأمراض الفيروسية والخفاش بسبب انتشار الأمراض بين الحيوانات في مناطق شاسعة، مما دعى العلماء للتحقيق في ذلك.

 وقد تم التأكد من كون الخفاش مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بهذه الأمراض الفيروسية. 

فالخفاش يمكن ان يصيب الإنسان مباشرة عن طريق العض كما يحصل مع العديد من الأمراض مثل داء الكلب، وقد يكفي لانتشار المرض ملامسة الحيوان أو النافق منه فقط أو حتى بقاياه أو اماكن معيشته كما هو الحال مع مرض ايبولا.

 ويمكن ان ينتشر المرض بشكل غير مباشر إلى الإنسان كما يحصل عند نقل المرض من الخفاش إلى حيوان آخر كالخنزير أو القرد او الجمل أو القطط أو المواشي، ومنه ينتقل المرض إلى الإنسان.

ويمتلك الخفاش صفات عدة قد تكون السبب وراء قدرته على نشر الأمراض، منها أنه الحيوان الثدي الوحيد القادر على الطيران، مما يعطيه القدرة على التنقل بسهولة ولمسافات واسعة ناشراً المرض في حال اصابته به، وخصوصا عن طريق بقاياه التي ينشرها خلال تنقله.
 أو من خلال افتراسه من قبل الحيوانات الأخرى حيث يمكن لدمه من نقل الأمراض، وكذلك من خلال مشاركته الكائنات الاخرى في الغذاء كالفواكه وبالتالي نقل المرض من خلال اللعاب. 

كما يمكن للخفاش عض البشر أو الحيوانات مما يشكل خطرا في انتشار الأمراض في حال كان حاملا لها. 

بالإضافة إلى أانه يعيش في مجموعات كبيرة ومتقاربة في اماكن مغلقة مثل الكهوف والاماكن المهجورة المظلمة والرطبة والتي تشكل بيئة خصبة لانتشار الكائنات الدقيقة. 

والذكور منه يمكن أن تتزاوج بأكثر من انثى، مما يجعل فرصة انتشار الأمراض أكبر.

 كما أنه من ذوات الدم الحار، وبالتالي يكون بيئة مناسبة لانتشار الأمراض الفيروسية، القادرة على إصابة الإنسان والحيوانات الأخرى.

 كما أنه يختلط مع العديد من الحيوانات بسبب طريقة تغذيته ومعيشته كالقرود والقوارض والخنازير والمواشي والطيور.

اضافة إلى أن تطور مناعة الخفاش مكنته من امتلاك قدرة على عدم الهلاك بالأمراض الفيروسية التي يحملها، مما يجعله وسيطا لنقل هذه الأمراض عن طريق المخالطة كما ذكر سابقا.

 كما يعتقد أن أحد اسباب قوة الفيروسات المنتقلة من الخفاش تعود بشكل رئيسي إلى أن درجة حرارة الخفاش ترتفع إلى أكثر من 40 درجة مئوية اثناء الطيران، مما يؤدي إلى قتل الكثير من الكائنات الدقيقة، مبقية على أنواع قوية ممرضة من الفيروسات قادرة على تحمل درجة حرارة الحمى العالية عند الإنسان والمرافقة للإصابة بالفيروسات المرضية.

 وسيبقى الخفاش متهما بنقل العديد من الأمراض الفيروسية إلى حين الجزم من خلال الدلائل العلمية على ذلك او نفي التهمه عنه. لكن من جهة اخرى يرجع العديد من المتخصصين إلى ان سبب زيادة انتشار هذه الأمراض في الوقت الحاضر إلى انخفاض نسبة الغابات والاماكن الطبيعية التي يعيش بها هذا الحيوان، والتي كانت توفر له موطنا بعيدا عن حياة الإنسان.

 إلا أن القطع الجائر للغابات والتلوث والامتداد البشري إلى بيئة الخفاش الطبيعية، أدى إلى اختلاط هذا المخلوق المباشر بالإنسان ناقلا اليه امراضاً كانت ستبقى في جسد حاملها من دون انتقال لو انه بقي في بيئة كافية لمعيشته، ومن دون أن يزاحم الكائنات الاخرى على غذائها ومواطن معيشتها.

وقام الباحثون بتحليل المجموعة الوراثية للفيروسات التي تعيش في الخفافيش ووجدوا أن فيروس السارس عاش فيها قبل فترة طويلة من انتقاله إلى الإنسان.
 وهذا الفيروس القاتل ليس الوحيد الذي يعيش في الخفافيش وينتقل إلى الإنسان.

في شهر شباط/ فبراير 2003 انتشر في آسيا وباء غامض. أعراضه مثل أعراض الأنفلونزا العادية: حمى وآلام في الحلق وقشعريرة. لكن، وبعد أسبوع يصاب المرضى بالتهاب رئوي، فلا يعود المصابون قادرون على التنفس، ويموت كل عاشر شخص منهم.

المسؤولون يطلقون على هذا المرض المجهول اسم سارس، أي "المتلازمة التنفسية الحادّة الوخيمة" أو " التهاب رئوي لا نمطي حاد".

آنذاك نجح خبير الفيروسات الألماني كريستيان دروستن في التعرف على مسبب المرض، ووجد أنه فيروس من عائلة الفيروسات الإكليلية "لم يكن لدينا أدنى فكرة عن مصدر هذا المرض ولا متى جاء. وبعد فحصِنا للحيوانات وأماكن عيشها وجدنا أن الخفافيش تحمل فيروسات من هذه العائلة."

ثم قام العلماء بتحليل الجينات الوراثية للخفافيش واكتشفوا أن الفيروس عاش فيها قبل انتقاله إلى الإنسان.

 ولا يقتصر الأمر على فيروس السارس، ففي الأثناء يعرف الباحثون أن الخفافيش مصدرُ العديد من الفيروسات التي تصيب الإنسان مثل فيروس الإيبولا والسعار /داء الكلب والعديد من فيروسات الرشح والإسهال.

وعن ذلك يقول كريستيان دروستن الذي يرأس حاليا معهد علم الفيروسات في مدينة بون: "لا نعرف سبب انتقال بعض الفيروسات من الخفافيش إلى الإنسان ولا كيفية انتقالها، وكل ما نعرفه هو أن الخفافيش تعتبر وطنا لعدد كبير من الفيروسات المتنوعة جدا. وقد ثبت لنا أن الإنسان والثدييات الأخرى تنال قسطا من فيروسات الخفافيش."

ويعتقد الخبير الألماني دورستن أنه لا بد من فحص هذه الفيروسات في الخفافيش أيضا وليس في الإنسان فقط، لمعرفة سلوكها ومكافحتها والتغلب عليها: "ربما سنعرف أكثر عن العلاقة بين الفيروس ومضيفه وكيف يتصرف الفيروس حيث يعيش منذ سنوات طويلة. ربما يفيدنا هذا في معرفة ما الذي يجعل الفيروسات خطيرة وما الذي يجعل من فيروس غير خطير، فيروسا قاتلا."

يود الباحثون معرفة كيف يتحور فيروس ما ليصبح قادرا على الانتقال إلى الإنسان، إذ بدون معرفة كيفية تحوله، سيصعب عليهم تطوير مصل خاص لمكافحته، ويقول دورستن "أعتقد أنه سيكون بمقدورنا خلال عشر سنوات إلى عشرين سنة القول بأن الفيروسات الموجودة لدى خفافيش معينة ستنتقل إلى الإنسان والتحذير منها، وهذا سيساعدنا في العمل على الحد من خطر ذلك الفيروس."

لكن ورغم الأخطار المرتبطة بالخفافيش، إلا أن العلماء لا يقترحون ولا يفكرون حتى بالقضاء عليها أو إلحاق أي ضرر بها، لأنها في غاية الأهمية بالنسبة للنظام البيئي خاصة وأنها تفترس كميات هائلة من الآفات، لذا يفكر بعض العلماء بإمكانية حقنها بمصل يمنع انتقال فيروساتها إلى الإنسان والثدييات الأخرى.

وكان يُعتقد في السابق أن الخفافيش "مصاصة الدماء" تتغذى على دم الطيور فقط، ولكن كشفت الأبحاث الجديدة وللمرة الأولى من نوعها أنها تتغذى على دم البشر أيضاً.

ويعتبر هذا الاكتشاف مقلقا للغاية نظراً لاحتمال انتشار الأمراض، حيث قد تكون الخفافيش مصاصة الدماء مصدراً رئيسياً لانتشار داء الكلب، وفق صحيفة ديلي ميل.

ويتغذى الخفاش مصاص الدماء بالدم كمصدر وحيد للغذاء، ولكن عادة ما يمتص دم الطيور البرية، وأجرى مجموعة من الباحثين في الجامعة الاتحادية في بيرنامبوكو بالبرازيل، دراسة تتعلق بطبيعة تصرف هذه الخفافيش في حال ندرة الطيور.

حلل الباحثون نحو 70 عينة من براز الخفافيش مصاصة الدماء التي تعيش في مستعمرة ضمن الحديقة الوطنية Catimbau في البرازيل.

وصُدم فريق البحث من جراء وجود آثار للدم البشري في 3 من هذه العينات، حيث قال المؤلف الرئيسي للدراسة، إنريكو برنار: "لقد فوجئنا تماما بالنتيجة، فهذا النوع ليس متكيفا مع خاصية التغذي بدم الثدييات".

ويحوي دم الثدييات نسبة عالية من البروتين كما يعتبر أكثر سمكا من دم الطيور، مما يُصعّب على هذه الخفافيش هضمه.

وذكرت دراسات سابقة أن الخفافيش مصاصة الدماء فضّلت الصوم والموت جوعا عندما كانت الطيور البرية غير متاحة، على محاولة مص دم خنزير أو ماعز.

ويعتقد الباحثون أن التدخل البشري في الحديقة الوطنية يمكن أن يكون قد شجّع هذه الخفافيش على محاولة مص دم الثدييات.

ووجد الباحثون من خلال دراستهم التي نُشرت على Acta Chiropterologica، أن معظم عينات البراز اشتملت على دم الدجاج، حيث قال السيد برنار: "إن الخفافيش مصاصة الدماء تتكيف مع تغيرات البيئة وتستغل موارد جديدة".

وأوضح الباحثون أن هذه النتائج مثيرة للقلق بالنسبة لسكان البرازيل، مع احتمال انتشار الأمراض مثل داء الكلب.

ويعتقد الباحثون أن الخفافيش تدخل البيوت من خلال ثقوب السقف أو النوافذ، وهم يخططون حاليا لزيارة المنازل في المناطق المجاورة للتأكد من عدم وجود إصابات.