نسخة كورونا البريطانية الجديدة تصيب أكثر الشباب و"الجنوب أفريقية" قد تقاوم اللقاح

أثار ظهور نسختين متحورتين جديدتين من فيروس كورونا المستجد المسبب لمرض "كوفيد-19" في المملكة المتحدة وجنوب أفريقيا الكثير من القلق على المستوى العالمي، فما الأسباب، وما الذي نعرفه عنهما؟

كل الفيروسات تتحور، وهذا التحور هو عبارة عن طفرات أو تغييرات تحدث عندما تتكاثر الفيروسات. ولاحظ العلماء طفرات متعددة في فيروس كورونا -واسمه العلمي "سارس كوف 2"- منذ ظهوره كانت غالبيتها العظمى غير ذات تأثير، لكن بعض هذه التحورات قد تمنح الفيروس ميزة للبقاء على قيد الحياة تتمثل على سبيل المثال في زيادة قابليته للانتقال والانتشار.

ونقدم هنا أسباب القلق العالمي حول النسختين الجديدتين من كورونا في المملكة المتحدة وجنوب أفريقيا، في صيغة سؤال جواب، ونبدأ بالأسئلة الأهم..

1- هل اللقاحات فعّالة ضد النسخة المتحورة الجديدة التي ظهرت بالمملكة المتحدة؟

يعتقد أستاذ الطب بجامعة أكسفورد جون بيل -وفق تقرير نشرته صحيفة "التلغراف" البريطانية للكاتبة ليزي روبرتس- أن اللقاحات التي تم اعتمادها مؤخرا في الولايات المتحدة وبريطانيا فعالة ضد السلالة الجديدة التي ظهرت لأول مرة في المملكة المتحدة.

2- هل اللقاحات فعّالة ضد النسخة المتحورة الجديدة التي ظهرت بجنوب أفريقيا؟

حذر بيل من أن السلالة الجديدة لفيروس كورونا التي انتشرت في جنوب أفريقيا قد تكون مقاومة للقاح. وفي مقابلته مع راديو "تايمز"، أعرب بيل عن قلقه بشأن السلالة المنتشرة في جنوب أفريقيا، مشيرا إلى أنها "تظهر تغييرات جوهرية في بنية البروتين"، وأوضح أن هذه السلالة قد تحورت في جزء الفيروس الذي يسمح للأجسام المضادة بالالتصاق به.

وأضاف أنه رغم عدم وجود بيانات حتى الآن حول مضاعفات المرض، "فإنه يزيد من العدوى، ربما عن طريق زيادة قدرته على الارتباط بالخلايا البشرية".

3- إذا كانت اللقاحات غير فعالة، فكم من الوقت يستغرق صنع لقاح جديد فعال؟

يقول الأستاذ بيل إن "فريق جامعة أكسفورد بصدد العمل على تحليل هذه السلالات بعد أن أثبتت اللقاحات فعاليتها أكثر مما كنّا نعتقد".

ويضيف "أعتقد أنه من غير المحتمل أن توقف هذه السلالات فعالية اللقاح بشكل تام، وأعتقد أن بعض تأثيراته ستظل موجودة.. من الممكن صنع لقاحات جديدة في غضون أسابيع إذا لزم الأمر".

وحسب رأيه، فإن الأمر "قد يستغرق شهرا أو 6 أسابيع للحصول على لقاح جديد، لذلك يجب على الجميع التزام الهدوء، وسيكون كل شيء على ما يرام. لكننا قد نشهد ظهور الكثير من السلالات لاحقا".

من جهته، يقول المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض إنه "لا توجد في هذه المرحلة معلومات كافية متاحة لتقدير (إذا كانت النسختان تشكلان) خطرا على فعالية اللقاحات".

لكن "نري ووك" -من المركز الأميركي للوقاية من الأمراض ومكافحتها- قال الأربعاء الماضي خلال مؤتمر صحفي إنه "بناء على ما نعرفه حاليا، يعتقد الخبراء أن اللقاحات الحالية ستكون فعالة ضد السلالتين".

من جانبها، أكدت شركة بيونتك (BioNTech) الألمانية التي أنتجت مع فايزر (Pfizer) الأميركية أول لقاح ضد "كوفيد-19" حصل على الترخيص، أنها قادرة إذا لزم الأمر، على إعداد لقاح جديد "في غضون 6 أسابيع".

 
4- ما طبيعة النسختين المتحورتين في المملكة المتحدة وجنوب أفريقيا؟

نسخة المملكة المتحدة

يعود منشأ "المتحورة بي1.1.7" (variant B117) التي عدت أول تحول مهم على الأرجح إلى سبتمبر/أيلول في جنوب شرق إنجلترا، وفقا لجامعة إمبريال كوليدج لندن.

وانتشرت بسرعة في جميع أنحاء المملكة المتحدة قبل أن يعلن العثور عليها في عشرات البلدان حول العالم، من الولايات المتحدة إلى كوريا الجنوبية، مرورا بالهند وفرنسا والدانمارك.

ترتبط معظم هذه الحالات بالمملكة المتحدة، ولكن لم يتسنَّ إيجاد أي صلة بأي بلد بالنسبة لعدد قليل من الحالات، ما يعني أن هذه المتغيرة ثبتت بالفعل نفسها على المستوى المحلي. وهذا ما يحدث كذلك في الدانمارك وهي من البلدان التي تقوم بسلسلة جينوم الفيروس على نطاق واسع، إذ حددت 86 حالة (بوتيرة متزايدة).

نسخة جنوب أفريقيا

تنتشر نسخة متحورة أخرى باسم "501.في2" (501.V2) تمثل الآن غالبية الحالات في جنوب أفريقيا. واكتشفت في عينات تعود إلى أكتوبر/تشرين الأول، ثم رصدت في عدد قليل من البلدان الأخرى حول العالم، بما في ذلك المملكة المتحدة وفرنسا.

ويرجح الخبراء أن عدد الحالات المكتشفة أقل من الواقع بالنسبة لكلا المتغيرين.

تظهر على النسختين المتحورتين طفرات عدة إحداها سميت "إن501 واي" (N501Y)، وهي الآن محط الاهتمام. وتوجد هذه الطفرة على بروتين شوكة فيروس كورونا المستجد، وهي عبارة عن نتوء على سطحه يسمح له بالارتباط بمستقبل في الخلايا البشرية لاختراقها، ومن هنا فإنه يؤدي دورا رئيسيا في العدوى الفيروسية.

ومن المعروف أن هذه الطفرة تزيد من قدرة الفيروس على الارتباط بمستقبل الخلية. لكن "لا علاقة واضحة محددة بين الارتباط بمستقبل الخلية وزيادة قابلية الانتقال، ولكن وجود مثل هذه العلاقة أمر معقول"، وفق المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها.

 
5- هل النسخ الجديدة أكثر قابلية للانتقال؟

خلص العديد من الدراسات العلمية التي لم تخضع بعد لمراجعة النظراء وتستند بشكل أساسي إلى النمذجة، إلى أن النسخة المتحورة البريطانية أكثر قابلية للانتقال. وهذا يؤكد التقييمات الأولية للمجموعة الاستشارية لتهديدات الفيروسات التنفسية الجديدة والناشئة التي تقدم المشورة للحكومة البريطانية وقدرت أن انتقال العدوى زاد بنسبة 50% إلى 70%.

من ثم، ووفقا لحسابات كلية لندن للصحة والطب الإستوائي فإن الفيروس المتحور البريطاني معدٍ أكثر بنسبة 50% إلى 74%.

وفي أحدث تقرير صدر الخميس، حلل باحثون في "إمبريال كوليدج لندن" آلاف جينومات فيروس كورونا بين أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول الماضيين، وبعد اتباع طريقتين مختلفتين، استنتجوا أن لدى هذه النسخة المتحورة "ميزة كبيرة" تزيد من قدرتها على نقل العدوى بنسبة 50% إلى 75%، أو ترفع معدل تكاثر الفيروس بمقدار 0.4 إلى 0.7، مقارنة بالنسخ العادية.

وتظهر النتائج الأولية لنسخة جنوب أفريقيا أيضا قابلية انتقال أعلى، ولكن تتوفر بيانات أقل عنها. مع ذلك، يقول بعض الخبراء إن البيانات غير كافية لتقييم مدى عدوى النسختين على وجه اليقين.

يقول مدير الأمراض المعدية في وكالة الصحة الفرنسية العامة برونو كوانيار لوكالة الصحافة الفرنسية، "علينا أن نتوخى الحذر، لأن النتيجة المتصلة بمعدل الانتقال هي مجموعة من العوامل التي تجمع بين خصائص الفيروس ولكن أيضا تدابير الوقاية والمكافحة المطبقة" مثل التباعد الاجتماعي ووضع الكمامة وإغلاق المؤسسات التي تستقبل الجمهور، وما إلى ذلك.

6- ماذا عن نسب الإصابة بين الشباب؟

تظهر الدراسات الأولى حول المتحورة البريطانية نسبة إصابات أكبر بين الشباب الذين تقل أعمارهم عن 20 عاما.

7- هل النسخ الجديدة أكثر إماتة؟

يقول المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض إنه "لا توجد معلومات تفيد بأن العدوى التي تسببها هذه السلالات الفيروسية أكثر خطورة"، لكن خطر "دخول المستشفى والوفيات مرتفع".

ويضيف أن "قابلية الانتقال العالية تعني في نهاية الأمر عددا أكبر من الحالات، ومن ثم حتى في حالة التسبب بنسب وفيات مماثلة، فهذا يعني ممارسة ضغط أكبر على النظام الصحي".

ويشدد عالِم الأوبئة البريطاني آدم كوتشارسكي استنادا إلى الأدلة الإحصائية، على أن "ارتفاع قابلية العدوى بنسبة 50% من شأنه أن يطرح مشكلة أكبر بكثير من نسخة متحورة تسبب وفيات أعلى بنسبة 50%".

ويشرح عبر تويتر أنه مع معدل تكاثر من 1.1%، ومعدل وفيات يبلغ 0.8%، و10 آلاف مصاب يمكن أن تكون لدينا 129 وفاة بعد شهر.

وإذا زاد معدل الوفيات بنسبة 50%، فإن عدد الوفيات سيصل إلى 193، ولكن إذا زاد معدل الانتقال بنسبة 50%، فستكون لدينا 978 وفاة.

ومعدل التكاثر يشير إلى عدد الأشخاص الذي يمكن أن يصيبهم كل مريض بالعدوى.

وحذّر عالم الأوبئة أرنو فونتانيه -عضو المجلس العلمي الذي يقدم المشورة للحكومة الفرنسية- من أن النسخة المتحورة البريطانية "هي حقا مصدر القلق في الوقت الراهن"، لأنها "يمكن أن تدفعنا إلى وضع معقد للغاية"

 
8- كيف يمكن محاربة النسخ الجديدة من فيروس كورونا؟

يعتقد برونو كوانيار أنه من "الوهم" الاعتقاد بأنه يمكننا القضاء على النسخ المتحورة أو منع انتشارها تماما، مشيرا إلى أنه ينبغي التركيز على "تأخير نشرها قدر الإمكان".

ومن هنا يوصي المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض البلدان التي لا تنتشر فيها النسخ المتحورة الجديدة على نطاق واسع "ببذل جهود لإبطاء الانتشار، على غرار تلك التي بذلت في بداية الوباء" مثل اختبار الأشخاص القادمين من مناطق توجد فيها مخاطر مع إمكانية فرض الحجر الصحي والعزل والتعقب المعزز للمخالطين، والحد من السفر" إلى ما هنالك.

على المستوى الفردي، يقول ووك إنه "نظرا لأن هاتين النسختين تنتشران على ما يبدو بسهولة أكبر، يجب أن نكون أكثر حرصا في إجراءاتنا الوقائية لإبطاء انتشار كوفيد-19″، وأوصى بوضع قناع الوجه والتباعد الجسدي وغسل اليدين وتهوية الأماكن المغلقة دون إغفال تجنب أماكن الازدحام.