رحيل شامة الزاز أيقونة الفن الجبلي المغربي

توفيت الفنانة المغربية شامة الزاز یوم الاثنين بعد معاناة طويلة مع المرض عن (70 عاما)، والتي تعد أيقونة أغنية الطقطوقة الجبلية، أو الفن الشعبي الجبلي (المرتبطة بمنطقة جْبَالة).

وكانت الراحلة ترملت في 17 من عمرها، بعد زواج لم يستمر سوى 4 أعوام، ومنذ ذلك الحين وهبت حياتها لرعاية ولديها وللغناء في منطقة محافظة تطغى عليها ثقافة العيب والممنوع.

وعرفت شامة الزاز بأدائها لفن "العيوع" الجبلي، وأمضت الشطر الأبرز من مشوارها الفني مرافقة لعميد الطقطوقة الجبلية الراحل محمد العروسي.

 

شامة تغني لولديها

نظمت شامة كلمات ما يزيد عن 50 أغنية، وكانت كلماتها سواء التي ألفتها ولحنتها أو تلك التي غنتها تعبر عن معاناتها كامرأة وأرملة مسؤولة عن ولدين، حكت فيها عن صبرها وجهدها لتوفر لهما الحياة الكريمة.

وغنت لطفليها في إحدى أغانيها قائلة "أولادي والزمن حار باباكم مات وخوات علي الدار"؛ أي (يا أولادي إن الزمن قاس، والدكم مات وأصبح المنزل خاويا).

نجمة الشمال

ويذكر أن الفنانة الراحلة شامة الزاز المولعة بالعيطة الجبلية تحدت العادات والتقاليد، فكانت توهم عائلتها بأنها ذاهبة للعمل في الفلاحة؛ لكنها كانت تغني في الأعراس والمناسبات باسم مستعار هو "نجمة الشمال" إلى أن انكشف المستور.

"كانت فترة صعبة" كما قالت شامة ، وهي تحفر عميقا في ذاكرتها، فعائلتها لم تقبل الوضع وضغطت عليها للتوقف عن الغناء، حتى أن عمها قاطعها 14 عاما؛ إلا أن الضغوط لم تثنها عن المضي في شغفها.

بلباسها التراثي المميز المكون من شاشية ملونة (قبعة من الدوم مزينة بخيوط صوف ملونة) وسبنية (اسم غطاء الرأس في مدن الشمال) وفواطة (ثوب مخطط تضعه النساء على الجزء الأسفل من أجسادهن) على عادة نساء الشمال غنت شامة في المهرجانات والحفلات داخل المغرب وخارجه، نقلت صوت المرأة الجبلية، فأطربت الجمهور، واهتزت الخشبة تحت قوة صوتها الجبلي الأخاذ.

العيطة إيقاع وكلام

ونعتبر شامة الزاز واحدة من النساء الجبليات القليلات اللواتي اقتحمن عالم العيطة، الذي كان يحتكره الرجال، وتحدين ما يقال إنه "عيب" في المنطقة، هكذا يتحدث الباحث في التراث الجبلي عبد الواحد الذهبي عن واقع فنانات العيطة.

ويضيف الذهبي أن شامة سارت على درب نساء أخريات وضعن اللبنات الأولى خلال سنوات الخمسينيات، مثل منانة السريفية ورحيمو الوزانية والسعدية السريفية وخديجة الخمسية.

ويصف الذهبي صوت شامة الزاز، التي تعاونت مع رواد العيطة والأغنية الجبلية، بأنه "رخيم ونقي وخال من الشوائب"، فهي -بحسبه- "أيقونة العيوع التي أعطت بصوتها الجميل للفنون الجبلية نكهة".

والعيطة هي مكون أساسي للتراث الموسيقي والغنائي الجبلي إلى جانب باقي المكونات: الأغنية الجبلية والعيوع والقوالب الموسيقية الجاهزة ورقصة الصينية والغياطة والتبوريدة، وهي مكونات متكاملة يسعى الباحثون في هذا التراث إلى تدوينه وتسجيله بوصفه تراثا وطنيا وعالميا.

ويرفض الذهبي تسمية "الطقطوقة الجبلية" التي يطلقها البعض على هذا الصنف الغنائي، فالطقطوقة -بحسبه- تحيل إلى أهزوجة بسيطة وسهلة، في حين العيطة الجبلية من أصعب الفنون إيقاعا وكلاما.

فالإيقاع -كما يقول- مداحي (من المديح)، والكلام عبارة عن متن شعري يتكون من أبيات شعرية بشطرين تحمل مضامين لغوية قوية؛ لذلك لا يمكن وصفها بالأهزوجة البسيطة، خاصة أن أبناء منطقة جبالة أنفسهم لا يمكنهم أداؤها بإتقان إلا إذا رافقوا شيوخها وتتلمذوا على أيديهم.

 

تجليات وارتجال

وتبدأ العيطة الجبلية بمقدمة فيها تضرع إلى الله عز وجل كقولهم "باسم الله بدينا وعلى النبي صلينا"، وتهتم بإظهار جمال التضاريس الجبلية والتغني بطبيعة المنطقة وخصوصياتها، كما تحكي عن الجهاد والمعارك خلال مقاومة المغاربة للغزاة البرتغاليين والإسبان والفرنسيين.

فالعيطة الجبلية الأصيلة لا غزل فيها ولا رقص، بحسب عبد الواحد الذهبي؛ بل تعبر عن تجليات صوفية وقضايا جادة، بالمقابل تنفتح الأغنية الجبلية بلحنها الخفيف على جميع القضايا، مثل الغزل والطبيعة والفراق والعشق والغضب والمدح والذم.

وتعرف الأغنية الجبلية بالمحاورات التي تكون بين مغن ومغنية بشأن قضايا اجتماعية وهموم إنسانية، ومن أشهر المحاورات تلك التي كانت بين رائد الأغنية الجبلية ومجددها الراحل محمد العروسي وشامة الزاز، وهي محاورات مشهورة وخالدة تتناقلها الأجيال وترددها.

أما العيوع فهو فن غنائي نسوي مرتجل كانت تؤديه النساء أثناء الحصاد والاحتطاب وجني الزيتون، ثم انتقل إلى خشبة المهرجانات عن طريق الراحل محمد العروسي وشامة الزاز، إذ كانا يفتتحان الأغنية بارتجال مقاطع شعرية تعبر عما يدور بخلدهما وما يخالجهما من حالات نفسية.