ما قصة نصب الحرية ببغداد الذي مات نحاته جواد سليم قبل أن يراه؟

لم ينل نُصْب في العراق والوطن العربي والشرق الأوسط حظا من الشهرة والمجد كما ناله نصب الحرية بساحة التحرير في بغداد، لأنه ارتبط بعدة أحداث بارزة عبر التاريخ الحديث لبلاد الرافدين.

فهو بالدرجة الأولى يرتبط بقيام النظام الجمهوري في العراق والإطاحة بالنظام الملكي في 14 يوليو/تموز 1958، ويحكي قصة العمال في العراق ودورهم في تغيير أنظمة البلاد بحكم تأثير المد الشيوعي آنذاك، وكان رمزا وطنيا كبيرا يعبر عن إرادة الشعب وفئاته من عمال وفلاحين وموظفين بسطاء، ويعد أكبر وأضخم نصب شيد في العراق والشرق الأوسط، وظل شامخا في مكانه منذ افتتاحه عام 1961 وحتى اليوم رغم تعاقب العديد من الأنظمة.

والغريب والمحزن في قصة النصب وفاة النحات الفنان جواد سليم قبل افتتاحه بعدة شهور فأكملته زوجته البريطانية لورنا التي كانت تعيش معه في بغداد منذ عودته من الدراسة في الخارج نهاية الأربعينيات.

قصة النصب

بدأت قصة النصب حين تلقى رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم مقترحا لإقامة نصب يخلد قيام النظام الجمهوري في العراق، وذلك في بداية عام 1959، فاتصل قاسم بالمعماري المعروف آنذاك رفعت الجادرجي لكي يقوم بذلك، فصمم النصب على شكل لافتة عريضة بـ50 مترا وعلى ارتفاع 8 أمتار، ولا سيما أن بغداد كانت تشهد مظاهرات كبيرة ضد الحركات المناوئة لثورة عام 1958، فاستوحى فكرة اللافتة منها. وقال الجادرجي حينها إنه أراد أن "يرمز النصب إلى جميع فئات الشعب كتعبير على أنها بطلة الثورة ووقودها، وهي تتصدى لأي فئة سياسية تريد الإضرار بها".

وسارع الجادرجي (غيبه الموت في 10 أبريل/ نيسان عام 2020) بنقل فكرة النصب وتكليف قاسم إلى الفنان التشكيلي والنحات العراقي جواد سليم، وقد خول بالعمل دون أي تأثيرات سياسية أو محددات سابقة، فعكف سليم على العمل وصمم النصب على مخططات ورقية (Sketches) لعدة تماثيل مترابطة على طول مساحة الـ50 مترا للنصب وبعثها إلى الجادرجي لعرضها على قاسم.

وعن ذلك، قال الجادرجي إنه استشف أن قاسم يريد وضع صورته داخل النصب رغم أنه لم يقلها حرفيا، حيث وصف النصب بأنه يشبه نصبا يونانيا أو رومانيا ونريده أن يرمز للعراق، ويبدو أن حاشية قاسم لمحت بأنه يريد أن يرى نفسه في النصب.

ونقل الجادرجي التصورات لسليم فغادر بالمخططات إلى إيطاليا لنحتها على المرمر وصبها بالبرونز، وكان ينازعه الشك والغضب من طلب قاسم، فصمم العمل دون الالتفات إلى ذلك رغم تدخلات السفارة العراقية في روما.

وقال الأديب والناقد الراحل جبرا إبراهيم جبرا في كتابه عن (نصب الحرية) إن جواد سليم وفي غمرة نشوته، وجد أن الأنظار تتجه إليه ليجسد الحلم الذي راوده لسنين طوال، فأراد أن يصمم نصبا للثورة في ساحة التحرير أكبر ساحات بغداد وأعطي مطلق الحرية في التعبير وهي التي أصر عليها قبل كل شيء.

ويضيف جبرا "وأبرز ما فيه أنه يرمز إلى اسم الساحة للتحرر من الاستعمار الأجنبي، فإن "الحرية" في اسم النصب جاءت مكمّلة وأشمل في دلالاتها المتنوعة".

جدارية معلقة

ويقول الناقد الدكتور جواد الزيدي إن النصب صمم كجدارية وعلى غير العادة معلقًا، إذ يرتفع 8 أمتار عن الأرض، كما يجمع بين الرسم والنحت فيما يُعرف بالريليف أو النقش البارز، ويُقرأ كملحمة تصويرية لمراحل العراق قبل "ثورة 14 يوليو/ تموز عام 1958" وفي أثنائها وبعدها، من اليمين إلى اليسار، مكونًا من 14 منحوتة).

أما الفنان التشكيلي حيدر سالم فيقول  إن الجدارية عمل معماري ونحتي، وهو من حيث الخامة توالف بين المرمر الأبيض كخلفية سحيقة تذكره بورق (الترمة)، وما بين الكتل النحاسية التي تجمع بين النحت المدور، والنحت البارز، مستنتجًا أن الريليف هو حل وسط ما بين النحت المدور والرسم.

ووفق سالم، فإنه يرى في قراءته للنصب من اليمين إلى اليسار 4 مجموعات، موزعًا المنحوتات من الحصان إلى كف المتظاهر، بينما تمتد المجموعة الثانية لتبلغ حدود المرأة الحانية على الطفل. وتبدأ الثالثة من مشهد خروج السجناء السياسيين من سجنهم، وحتى تمثال المرأة الممثلة للخصوبة.

ويختتم المجموعات بموضوع الفلاحة والعمل، فهي تجمع ما بين شكل العامل حامل المطرقة وحتى شكل الفلاحة حاملة الحصيد أو الواقفة إزاء النخلة. والنصب يبدأ من: التاريخي، والعياني، المباشر، نحو (الشيئي الجنيني)، كي يمنح المتلقي حرية كالتي عمل بها سليم، حرية كأنها هبطت من كوكب آخر، لكنها بالضرورة، نهاية المطاف، حصيلة تحديات. أما جبرا فيرى أنه "انتصار الطبقة العراقية العاملة. وكأن النصب يعبر عن أشياء كثيرة لم تبرز واضحة إنما رموزها بدت واضحة".

محاولات هدم النصب

وحاول البعض من السياسيين هدم هذا الصرح الفني والوطني الكبير في عهود سابقة، وتعالت أصواتهم ورصاصهم كما في انقلاب 8 فبراير/شباط عام 1963 الذي أطاح بعبد الكريم قاسم، ومن ثم انقلاب الرئيس العراقي حينها عبد السلام عارف لإقصاء البعثيين من الحكم في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1963، لكن رمز الوطنية في النصب والمعارضة الشعبية ولا سيما من المثقفين والفنانين حالت دون ذلك. وتجددت هذه الدعوات بعد الغزو الأميركي للبلاد عام 2003 بدعوى أن الفن والتماثيل محرمة، لكنها لم تنجح.

ويشير الفنان قاسم سبتي  إلى أن جواد سليم سافر في مارس/آذار عام 1959 إلى مصهر في فلورنسا الإيطالية ليصنع منحوتات النصب المصغرة، ووضع منحوتاته على إفريز عرضي، ما يجعلنا نتساءل: "هل كان متأثرا بالخط العربي، أو أنه استوحي فكرته من الأفاريز والجداريات العراقية القديمة، أو من شكل اللافتة أي القطعة البيضاء أو الملونة من القماش التي يرفعها المتظاهرون ويكتبون عليها الشعارات المؤيدة للجمهورية الوليدة؟".

بيت شعر

ويذهب الناقد الدكتور جواد الزيدي إلى تفسير وحدات النصب على أنها مفردات بيت من الشعر العربي يُقرأ من اليمين إلى اليسار فكل وحدة هي فكرة قائمة بذاتها، ولكنها تتصل بالأخرى في سياق يؤلف المعنى الذي يُعبـِّر عن النصب بأجمعه: "توق العراق إلى الحرية منذ القدم".

واقترن اسم جواد سليم بنصب الحرية الذي اقترن بدوره بمدينة بغداد تاريخا وفنا، وكان إنصافا حقيقيا للفنان وللفن نفسه.

ويقول الناقد الدكتور عاصم الأمير  إن النصب يشكل الذروة التي بلغها فن جواد سليم والمأثرة التي لم يأتِ بمثلها فنان عراقي منذ قرون، وهو عمل حاول سليم من خلاله أن يربط فنه بالناس الذين كانوا على الدوام مصدر إلهامه، ففي كل رسوم جواد سليم ومنحوتاته، نلمس عمق العلاقة مع الناس.

ورحل جواد سليم يوم 23 يناير/كانون الثاني عام 1961 عن عمر ناهز 42 عاما جراء نوبة قلبية قبل أن يرى نصب التحرير النور، فعهدت مهمة إكمال النصب لزوجته البريطانية لورنا سليم وتلميذه الفنان محمد غني حكمت، الذي رافقه في العمل. مات جواد سليم ولم يكحل عينيه برؤية شموخ نصبه الذي افتتح يوم 16 يوليو/تموز عام 1961.